الفصل السابع
كان الأنين المبعوث في أذني من غرفة جاري في الفندق قد أرق جفني فلم أنم , و كانت الشكوى المتقطعة التي أسمعها طوال الليل تحدث في نفسي أثرا عميقا يطرد عني النعاس و يملأ ليلتي أسفا و حزنا , إنها غرفة هاليدي التي نام فيها ليلة إطلاقه , بدا واضحا أن تجربته القاسية قد حطمت أعصابه و أخذت منه مأخذا عظيما !
و عجزنا في الصباح أ ننتزع من هاليدي شيئا , كان خائفا من انتقام هؤلاء الأشرار إذا تكلم , و كان متأكدا من القوة الهائلة التي يملكها الأربعة الكبار حتى بات يرفض النقاش في أمرهم
أكل غذاءه ثم سافر إلى إنكلترا حيث زوجته و طفلته الصغيرة
وجدت نفسي متحمسا للأحداث , و رأيت أن علي أن أواجه بوارو من قريب أو بعيد , لكن هدوءه الذي أزعجني جعلني أقول :
- أرجوك يا بوارو دعنا نفعل شيئا !
- حسنا يا صديقي فماذا نفعل ؟
- نخبرهم عن الأربعة الكبار
- نخبر من ؟
- الشرطة
تبسم بوارو ببرود ثم قال :
- انهم لن يصدقونا , سيتهموننا بالجنون ؛لأننا لا نملك دليلا نستدل به , دعنا ننتظر ..
- ماذا ننتظر ؟
- ننتظرهم حتى يقوموا بتجربة , انظر إلى لعبة الملاكمة , اللعبة المفضلة لديكم في إنكلترا : إذا لم يتحرك أحدهما فلا بد أن يتحرك الآخر و يسمح أحدهم لخصمه بالهجوم ليعرف طريقته و أسلوبه , و نحن الآن ندع الخصم يهجم ..
أوجست خوفا و ريبة من كلامه :
- هل تظن أنهم سيفعلون ؟
- بلا شك , لقد حاولوا إخراجي من إنكلترا . ثم جريمة دارتمور التي ترمز لها معان مقصودة , ثم دخلنا و أنقدنا ضحيتهم من المقصلة , و أمس تدخلنا مرة أخرى في خططهم , انهم لن يقفوا حتما ساكتين إزاء ما كل ما جرى
كنت في تفكيري أتأول كلمته حين طرق الباب , و من غير استئذان دخل رجل إلى الغرفة و أغلق الباب خلفه و جلس
كان رجلا طويلا نحيفا بشرته شاحبة أنفه معوج قليلا , كان يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه و قبعة ناعمة تغطي عينيه . قال بصوت نام :
- عذرا أيها السيدان , قد دخلت دخولا غير لائق , لكن مهمتي خطيرة !
و جلس و هو يبتسم بخبث , فأثارني هذا الموقف و كدت أثب من مكاني لو لا أن بوارو منعني بإشارة من يده , ثم سأل هذا الزائر الثقيل :
- كان دخولك فظا كما قلت , فما هي مهمتك ؟
- عزيزي السيد بوارو , أريد أن أخبرك بصراحة , أنت تزعج أصحابي
- كيف ؟
- أنت تعرف كما أعرف يا سيد بوارو
- و من هم أصدقاؤك هؤلاء ؟
لم يجبه بل أدخل يده في جيبه فأخرج علبة لفائف سحب منها أربعا و نقرها على الطاولة ثم أعادها ..
- ها ها .. نعم , فالمسألة هكذا إذن ؟ و ماذا يقول أصدقاؤك ؟
- يقولون : (( عليك أن تعمل قدراتك الخارقة في غير هذا الشأن و أن تعود إلى حل مشاكل نساء المجتمع اللندني ))
- يبدو أنه برنامج سلمي ! و إذا لم أوافق ؟
حرك يده حركة فيها معنى مقصود واضح:
- طبعا ستأسف و تندم كثيرا , وسوف يحزن كل أصحاب السيد هيركيول بوارو العظيم حزنا لا ينفعهم لأن الحزن – مهما اشتد – لا يمكن أن يعيد للأموات الحياة !
- حسنا , هب أني موافق
- إذن أدفع لك تعويضا ..
و أخرج من جيبه المحفظة و أخرج منها عشرة أوراق كل واحدة من فئة العشرة آلاف فرنك ألقى بها إلى الطاولة ثم قال :
- هذا ضمان حسن النية فحسب , سوف تعطى عشرة أضعاف هذا !
أدركت أن الخصم بين أيدينا و أن الفرصة مناسبة لإخبار الشرطة من أجل أكبر انتصار في هذا الزمان , كان قلبي ينبض بقوة , شعرت بالهيجان و لم أعد أطيق انتظارا , و صرخت بعنف و أنا أقفز من مكاني :
- يا إلهي ! هل تظن ..؟
لكن بوارو أقعدني بقوة و قال بحزم :
- اجلس يا هيستنغز , اجلس مكانك .. ما رأيك يا سيد لو اتصلت الآن بالشرطة و صديقي يمنعك من الهروب ؟
- على كل حال افعل إن كنت تظنه من الحكمة ..
- صرخت : لا أستطيع أن أحتمل أكثر .. انظر ..
نهضت بسرعة و خطوت خطوات كبيرة إلى الباب و ألصقت ظهري به , همس بوارو :
يبدو أن هذه هي الطريقة المثلى
فقال زائرنا و هو يبتسم :
- لكنك لا تثق بها , أليس كذلك ؟
و قلت بإصرار و عزم :
- هيا يا بوارو لا تتأخر !
رفع بوارو السماعة فقفز الرجل قفزة مفزعة تشبه قفزة القط لكنها إلي , كنت على أهبة له فالتحمنا بعراك شديد أشبه بالمصارعة , و شعرت فجأة أنه ضعيف جعل يهوي بين يدي فزادني همة حتى طرحته أرضا و شعرت بنشوة النصر , و أخذ خيالي يطوف في نهاية مسرحية ..
ثم كان شيء غير عادي : وجدتني مقذوفا و رأسي يضرب بالحائط , نهضت مدهوشا أبحث عن خصمي الذي اختفى , ركضت نحو الباب فوجدته مقفلا علي , أسرعت إلى الهاتف :
- مكتب الاستقبال ؟ أمسكوا الرجل قبل أن يخرج , رجل طويل يلبس معطفا طويلا مزررا و قبعة ناعمة , انه مطلوب للشرطة
مضت بضع دقائق قبل أن أسمع صوت المفتاح في الباب , كان مدير الفندق , و صرخت صرخة مجنون :
- الرجل هل أمسكتموه ؟
- لا يا سيدي لم نر أحدا ..
- كيف وقد مر بك الآن ؟
- لا يمر بي أحد بتاتا ..
- بوارو : أظن أنكم مررتم بشخص ما ربما يكون موظفا هنا ؟
- نادل يحمل طبقا لا غير يا سيد
- نعم , هكذا إذن ..
كانت الدهشة تملأ جو الفندق و الحيرة تراها في وجوه المسؤولين و خاض الناس في شك وتكذيب , لكن المسألة قد فهمها بوارو فقال بثقة :
- من أجل هذا يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه
همست بخجل و أنا أحس بالهزيمة :
- كنت أظن أني أسقطته أرضا !
- نعم كانت خدعة يابانية , لا تثريب عليك يا صديقي , كل شيء سار حسب الخطة , خطتهم قطعا , و هذا ما كنت أريده
صرخت حين رأيت محفظة على الأرض , التقطتها بلهفة , إنها من أثر المعركة , لا بد أنها سقطت من جيب زائرنا العزيز !
كان فيها فاتورة باسم السيد فليكس لون , وورقة أخرى صغيرة من دفتر الملاحظات كتب عليها بخط غير واضح بالرصاص , كانت هذه الكلمات مثيرة لنا :
(( اجتماع المجلس القادم يوم الجمعة , الساعة 11 صباحا : 34 – شارع إيشيلير))
و إمضاء رقم ((4)) بخط كبير
و كنا في يوم الجمعة , و الساعة 10.30 , صرخت بذهول :
- يا إلهي إنها فرصة ثمينة , الأمور الآن بأيدينا , يجب أن نبدأ من هذه اللحظة .. لعل الحظ في هذه المرة كان لنا
همس بوارو كأنما يحدث نفسه :
- انه جاء من أجل ذلك , أكاد أفهم كل شيء ..
- ماذا فهمت ؟ يا بوارو متى ستكف عن محادثة نفسك ؟
نظر بوارو إلي نظرة إشفاق ثم ابتسم :
- ((قالت العنكبوت للذبابة :هلا دخلت بيتي يا عزيزتي ؟ )) هذا نشيد الأطفال عندكم يا معشر الإنكليز , أليس كذلك ؟ الحذر الحذر يا صديقي , انهم ماكرون دهاة و لكن ليس بدهاء هيركيول بوارو
- لا أفهم شيئا مما تقوله يا بوارو !
- ما زلت أسائل نفسي عن زيارة الصباح هذه , هل كانوا يأملون بالنجاح في رشوتي أم هي زيارة ترهيب لأخافهم و أترك مهمتي ؟ لكني الآن فهمت الحقيقة , إنها خطة ماكرة بلا شك و محكمة في الوقت نفسه , الظاهر هو الرشوة أو الترهيب , و المعركة كانت من أجل أن يكون سقوط المحفظة أمرا محتوما و أخيرا المصيدة : شارع إيشيلير , الساعة 11 صباحا , لكن القبض على هيركيول بوارو ليس سهلا , فليعلموا !
عرفت أني ساذج و بليد فقلت :
- يا إلهي! انهم يعلمون الشياطين المكر و الدهاء
- لكن فيها لغزا آخر : الوقت : لماذا لم يختاروا الليل ؟ أليس الليل أحسن لهم ؟ لماذا السعاة الحادية عشر صباحا ؟ هل في هذا الصباح كيد يدبرونه لا يريدون أن يعرفه بوارو ؟
كان بوارو في نوبة من الحيرة و القلق , ثم هز رأسه و قال :
- إنني ماكث هنا و لن أغادر هذا الصباح , دعنا ننتظر , سوف نرى
كان الزمن يمر بطيئا ثقيلا كأن الساعة لا تتحرك , كان في رأسي خيال كثير و حوادث , كنت أشعر أحيانا بالعجز و الضعف عن المواجهة , و أحيانا أخرى بالإخفاق في أن أفهم ما يجري
الساعة الآن الحادية عشر و النصف و لم يحدث أي جديد ..
طرق الخادم الباب و سلم ورقة صغيرة زرقاء اللون لبوارو .. إنها من مدام أوليفير تطلب منه الحضور فورا ..
و نهضنا مسرعين إلى مدام أوليفير دون تأخير , و استقبلتنا في المجلس الذي قعدنا فيه أمس , ووجدتني في دهشة مرة أخرى من شخصية هذه المرأة القوية صاحبة الوجه الذي يشبه وجه الراهبة , إنها سدت الخلل الذي كان وراء مدام كوري و بيكريل , ذات هالة علمية مذهلة و عين متوقدة تكاد تسيطر على محدثها بنظرة ثابتة من طرفها , بادرت بالقول :
- أمس قابلتماني من أجل هاليدي و بعد انتهاء المقابلة علمت أنكما دعوتما إينز سكرتيرتي , لكن دهشتي أنها غادرت القصر معكما و لم ترجع حتى الآن !
- هذه هي القضية أم عندك أمر آخر ؟
- كلا , بل الخطير أن اقتحاما تم الليلة الماضية للمختبر و اختفت أوراق و مذكرات قيمة , و لقد حاول اللصوص سرقة أي شيء آخر أشد خطرا , لكن الخزانة – من حسن الحظ – كانت مقفلة بإحكام ففشلوا أن يفتحوها !
- يجب أن علمي الحقيقة يا مدام : إن سكرتيرتك مدام فيرونوا هي الكونتيسة روساكوف اللصة المحتالة المشهورة , و هي المسؤولة عن اختفاء هاليدي , لكن كم مضى عليها و هي تعمل عندكم ؟
- منذ خمسة شهور تقريبا , ولكن هذا يدعو إلى الذهول !
- إنما هي الحقيقة , هل كان العثور على الأوراق سهلا أم أنه عمل يدل على معرفة سابقة ؟
- الأمر العجيب أن اللصوص كانوا يعرفون بغيتهم تماما , هل تظن أن مدام إينز .. ؟
- نعم لا شك أنها كانت الدليل , لكن ما هو الشيء الثمين الذي فشل اللصوص في سرقته ؟ جواهر ؟
هزت رأسها و هي تبتسم و قالت بصوت خافت :
- بل أثمن من الجواهر كثيرا يا سيد بوارو .. راديوم !
- راديوم ؟
- نعم , إنني الآن اقترب من النهاية القصوى في تجاربي , و عندي قدر قليل من الراديوم , و قد قدم لي قدر أكبر من أجل تمام أبحاثي , و هذا القدر لو كان ضئيلا فإنه بالنسبة إلى المخزون العالمي قدر عظيم تساوي قيمته ملايين الدولارات !
- و أين هو الآن ؟
- في الحقيبة الرصاصية من الخزانة المحكمة التي تبدو عتيقة لكنها – بصراحة – انتصار فني في حقل الصناعة , و هي جعلت اللصوص يفشلون !
- كم يصح أن تحفظي هذا القدر من الراديوم .
- لمدة يومين آخرين غير هذا اليوم ثم تنتهي تجاربي
- هل تفهم مدام فيرونوا هذا ؟
- نعم
- آها , إذن سيعود أصحابنا مرة أخرى , سوف أحمي ثروتك من الراديوم لكن لا تخبري أحدا .. هل عندك مفتاح للباب الذي يؤدي إلى المختبر من الحديقة ؟
- نعم , ها هو , عندي نسخة أخرى , و هذا مفتاح الباب الذي يؤدي إلى الممر الذي يطل على فيلا الجيران
- شكرا لك يا مدام , اذهبي إلى النوم و أنت مطمئنة كالعادة , لا تقولي شيئا لمساعديك لا سيما السكرتيرة , دعي الأمر لي
كان بوارو متهلل الوجه و هو يغادر بيت مدام أوليفير , و كان يفرك يديه فرحة بنصر مرتقب , كانت الأمور كأنما تشير إلى الأحسن , سألته :
- ماذا ستفعل الآن يا بوارو ؟
- الآن يا هيستنغز سوف نغادر باريس إلى إنكلترا
- ماذا ؟
- كما أقول لك , سوف نحزم أمتعتنا و نأكل غذاءنا و نذهب بالسيارة إلى جيردونورد ..
- و الراديوم ؟
- أقول : إننا سوف نسافر إلى إنكلترا , ولم أقل : إننا سنصل هناك ..
أعمل دماغك مرة يا هيستنغز , ألا تدري أنك مراقب ؟ يجب أن يطمئنوا أننا ذاهبون إلى إنكلترا , و لن يطمئنوا حتى يرونا نركب القطار و ننطلق ..
- و ننسل من القطار في آخر لحظة ؟
- كلا يا هيستنغز , بل لا يرضيهم أقل من المغادرة التي لا خداع فيها
- لكن القطار لا يتوقف إلا عند كاليه
- يقف في حالة واحد : إذا دفعنا له
- سوف يرفضون و لا يقبلون , كيف يقف قطار سريع ؟
- هناك حيلة , ما هي غرامة إساءة استعمال المقبض الصغير في القطار ؟ مائة فرنك ؟
- هل ستمسك مقبض الباب و تسحبه أنت يا بوارو ؟
- بل صديقي بيير كومبوا سيفعله , و سوف يثير ضجة كبيرة مع الحارس فيكون مشهدا يستحوذ على انتباه المسافرين فننسل في أثناء ذلك خارجين !
خطة بوارو سارت كما رسم لها بعد أن قبل صديق بوارو القديم – الذي كان على صلة ببوارو و معرفة بأسلوبه و منهاجه في العمل – و استطاع أن يصطنع ضجة كبيرة كأنها قنبلة دخانية سترت فرارنا من القطار دون أن يحس بنا أحد
و تنكرنا تماما بعدما اشترى بوارو ما يلزم ذلك ووضعه في حقيبة صغيرة , و أصبح من غير السهل أن يعرفنا أحد بعد أن رأيت مشهدنا يدل على اثنين متسكعين يلبس كلاهما قميصا ضيقا قذرا ذا ألون فاقعة تدعو إلى السخرية !
أكلنا غذاءنا في أحد مطاعم باريس المغمورة و انتظرنا مغيب الشمس و الليل يحل على شوارع باريس و أزقتها , و سيطر الظلام و أخذت مصابيح البيوت و الحوانيت تقطع الظلام الدامس على جوانب المكان
ووجدنا أنفسنا قريبين من منزل مدام أوليفير , نظرنا إلى أعلى المكان و أسفله , لم نر أحدا , تسللنا إلى الممر المغطى بالشجر الموحش المهجور , كنا متأكدين أن لا أحد يتعقبنا لكن همسات الريح البارد الذي كان يلامس أوراق الشجر فيها نسمات الذعر !
ربما نكون مقدمين على مواجهة مع هؤلاء اللصوص الخطرين الذين ألفوا الموت فضلا عن القسوة و القتل لأتفه الأسباب , همس بوارو :
- لا أظن أنهم قدموا إلى المكان حتى هذه اللحظة , و ربما لا يأتون اليوم , انهم يعلمون أن لديهم ليلتين حتى يسرقوا الراديوم ليس أبعد
أدار بوارو المفتاح في القفل بحذر شديد و دخلنا حديقة البين بخفة , لكن وجدنا أنفسنا في فك الذئب المرعب فوقعنا في الفخ ..
عشرة رجال كانوا يحيطون في الخفاء كالسوار , كانت المقاومة لا تنقع , أوثقونا ثم حمل أحدنا كما تحمل حزمة القش , فتح باب المختبر و زجونا فيه , و انحنى أحدهم أمام الخزانة الكبيرة و فتح بابها
شعرت برعدة خوف قاتلة تسري في عروقي و أيقنت أننا سنوضع في هذه الخزانة و لكن باب الخزانة و لدهشتي الشديدة انفتح عن درجات تنزل في ممر سري إلى الأسفل !
دفعنا على درجات بقوة إلى الأسفل , ثم غرفة سرية مرعبة و هناك رأينا قامة سوداء مهيبة : امرأة طويلة تلبس الثوب الأسود الطويل و تغطي وجهها بقناع من المخمل الأسود كذلك , كان واضحا أنها صاحبة السلطة و سيدة الموقف , و يدل على ذلك إشارتها الصامتة التي يمتثل لها الرجال الأشداء !
قذفنا الرجال على الأرض و تركونا وحدنا مع هذه المخلوقة الخفية خلف القناع الأسود , و لم يخامرني أدنى شك أن هذه المرأة هي رقم ((3)) الكبار الأربعة , المرأة الفرنسية المجهولة
جثت على ركبتيها و نزعت الكمامتين عن وجهينا ثم نهضت و انتصبت أمامنا , و بحركة مفاجأة و سريعة نزعت قناعها و كشفت الغموض ..
إنها مدام أوليفير !
قالت بتهكم و سخرية :
- سيد بوارو العظيم صاحب الذكاء الخرق , لقد أرسلت إليك تحذيرا صباح أمس لكنك لم تأبه له , و ظننت أنك تستطيع مواجهتنا بذكائك الخارق , أليس كذلك ؟ لكنك أتيت بقدميك إلى هذا الموضع الذي لا تحسد عليه !
لم يجب بوارو لكني رأيت فكه الأسفل يرتخي و هو يحدق إليها .. لا شك أن المفاجأة أذهلته, و قالت هي بلطف :
- حسنا هذه هي النهاية , لن نسمح لأحد أن يعترض خططنا , فاطلب طلبك الأخير ..
كنت أراقب الموقف و رأيت الموت أمامي , الموت له رائحة تعرفها تملأ المكان , لكن القتيل وحده هو الذي يشتم رائحته , و ذكرت زوجتي و أطفالي .. صور و خيال و شريط من الأحداث يمر سريعا في ذهني المكدود قبل أن أنظر إلى وجه بوارو , فوجئت بهيئة بوارو الهادئة , لا تبدو عليه آثار الخوف و الفزع و لم يغز الشحوب وجهه , كان رائعا حقا , عيناه على مدام أوليفير , قال بثبات :
- حسنا أيتها المرأة الفاضلة , إن فيك طبيعة مثيرة للاهتمام , لكن الوقت لا يسع لدراستها , لدي طلب بسيط , الرجل المدان يسمح له بالتدخين للمرة الأخيرة , في جيبي علبة لفائف لو تكرمت بالإذن ..
ثم نظر إلى القيد في يديه , فضحكت و هي تقول :
- تريدني أن أفك قيدك ؟ انك امرؤ ذكي بلا شك , لكني لن أفك قيدك و سأجد لك لفافة تبغ
مدت يدها إلى جيبه و أخرجت علبة اللفائف ثم أمسكت منها واحدة ووضعتها بين شفتيه و نهضت و قالت :
- والآن عود الثقاب , أليس كذلك ؟
- لا , ليس لازما , لا أحتاج إليه ..
كان في صوته جرس غريب أجفلني و أثار الريبة في نفس مدام أوليفير فارتعدت , فيما نطق هو بهدوء :
- لا تتحركي سوف تندمين إذا فعلت , انتبهي إلي جيدا ! أرجوك أظن أنك تعرفين مادة الكورار (مادة تستخرج من بعض النباتات لتسميم السهام ) , هنود أمريكا الجنوبية يدهنون بها سهامهم , ان خدشا بسيطا بها يعني الموت , بعض القبائل يستعملون أنبوب النفخ و هذا ما أملكه لكن على شكل لفافة تبغ , ما علي سوى أن أنفخ فيها .. إن هذه اللفافة مدهشة ؛ أنفخ فيها فيخرج سهم دقيق كعظمة السمكة نحو هدفه يطير سريعا كالبرق .. انك حتما لا تريدين الموت يا مدام , إذن عليك أن تحرري صديقي هيستنغز من قيوده .. تعلمين أنني أستطيع أن أدير رأسي في كل الاتجاهات و يداي مقيدتان , إياك أن تفكري في الطريق الخطأ , حذار حذار من الخطأ و إن يكن صغيرا !
رعشة رعب سيطرت عليها , يداها ترتعدان , وجهها مصفر كثيب , شفتاها تميلان نحو الزرقة , حركاتها تنطق بالحسد الأسود , و لكنها نفذت أمر بوارو بدقة !
ثم جاء صوت بوارو يستمر في الأوامر بعد أن أصبحت حرا من قيودي :
- سيد هيستنغز , قيد السيدة بسرعة , أحكم قيدها , تأكد من ذلك
ثم حررت بوارو من قيوده فورا و تلمسنا طريق الخروج فوجدناه مفتوحا , و كان جنودها خارج المكان , و قبل أن نفر من المكان اتجه بوارو نحو السيدة و أحنى ظهره و قال :
- هيركيول بوارو لا يقتل بسهولة يا مدام , ليلة طيبة !
و بعد ثلاث دقائق كنا نجتاز المكان مسرعين و مازلت أكذب نفسي أننا عدنا إلى الحياة مرة أخرى و ما زلت في ذهول تام و لساني معقود من الانطلاق .. هل كان حلما مزعجا ؟
اندفع بوارو يثرثر و قد انتابه هيجان مثير , يتكلم بمزاج حاد لا يكاد يضبط كلامه :
- أستحق كل الذي قالته لي المرأة , افني أحمق ثلاث مرات و أبله , و حيوان تعس غبي ستا و ثلاثين مرة ! ربما أستطيع أن أفخر بنفسي أنني نجوت منهم لكن تقديري كله كان خطأ , لقد نجحوا في خداعي ووقعت في الشرك كما أرادوا !
عرفوا أنني سأواصل حتى النهاية فصنعوا لذلك ما صنعوا , الآن أصبح كل شيء واضحا : السهولة التي استسلموا بها , و تسليم هاليدي , مدام أوليفير كانت هي الروح الحاكمة , فيرا روساكوف نائبتها , و قد استطاعت أن تتم أبحاثها بواسطة المعلومات التي أخذتها من هاليدي !
لقد عرفنا إذن من هو رقم ((3)) .. إنها أعظم امرأة في العالم !
الأربعة الكبار جماعة تضم عقل الشرق و عقل الغرب و قوتين أخريين مجهولتين .. يجب أن نعرفهما .. يجب ذلك يا هيستنغز !
سنعود إلى لندن لنبدأ البحث مرة أخرى !
- ألا تريد أن تخبر الشرطة عن مدام أوليفير ؟
- لن يصدقونني يا عزيزي , هذه المرأة هي رمز فرنسي , كما أننا لا نملك دليلا , سنكون محظوظين إن لم تبلغ هي الشرطة عنا
- ماذا ؟
- نعم لقد وجدونا في قصرها ليلا , و معنا مفتاحه , و لن يكفي أننا قيدناها و كممناها بشكل مدهش و استنقذنا أرواحنا من مخالب الموت ..
الفصل الثامن
بعد تلك المغامرة الرهيبة في فيلا باسي لم نعد نطيق المقام في باريس فانطلقنا مرتحلين إلى إنكلترا على عجل , و هناك وجد بوارو كومة من الرسائل بانتظاره , قرأ إحداها و البسمة على وجهه , ثم دفعها إلي و قال :
- اقرأ هذه الرسالة
كانت الرسالة مذيلة بإمضاء آبي ريلاند , فذكرت أنه ذاك الرجل الذي وصفه بوارو بأنه أغنى رجل في العالم , و كانت تعرب عن قلق ريلاند لأن بوارو تخلى عن قضية أمريكا الجنوبية في آخر لحظة , قال بوارو :
- هذه الرسالة تجعلني أبذل مزيدا من التفكير المتواصل العميق , أليس كذلك ؟
- لكن من الطبيعي أن يبدي الرجل أسفه , و له الحق أن يغضب
- لا يا هيستنغز , أنت ثقيل الفهم , ألا تذكر كلمات مايرلنغ , ذلك الرجل الذي فر إلينا من الموت ووجد الموت في انتظاره عندما قال : رقم ((2)) رمزه حرف (($)) و عليها خطان علامة الدولار الأمريكي أو شريطان و نجمة , و هكذا نحدس أن يكون أمريكيا و أنه يمثل قوة الثروة , زد عليه أنه عرض علي قدرا سخيا من المال من أجل إغرائي بالخروج من إنكلترا , ماذا تفهم من ذلك يا هيستنغز ؟
قلت و أنا أنظر إليه نظرة أبله :
- هل تقصد أنك تشك في آبي ريلاند صاحب الملايين أنه رقم ((2)) من الأربعة ؟
- قد بدأت تفهمني قليلا يا هيستنغز . نعم , إني أشك فيه , المشهور عن ريلاند أنه رجل ثري و قوي لكنه عديم الضمير , رجل يملك كل الثروة و سلطته لا حدود لها لكنه لئيم و غليظ في المعاملة , لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه لأن عنده قوة خارقة !
- متى كنت تجزم بهذا الاعتقاد ؟
- إنها فكرة مجردة تجول في خاطري , ليس لدي دليل يثبت هذه الفكرة , لكنني مستعد لأقدم كثيرا كثيرا من أجل معرفة ذلك , و أنا أظن أن النظرية التي تقول أن رقم ((2)) هو ريلاند سوف تساعدنا على الاقتراب من الهدف
- تستطيع أن تزوره و تعتذر منه
- ربما كان سهلا أن أفعل ذلك
بعد يومين عاد بوارو إلى المنزل و هو مصاب بالدهشة و الانفعال , ثم أمسك بي بكلتا يديه كما يفعل عادة عند تحمسه و قال :
- يا صديقي , إنها مناسبة مذهلة حقا ربما لا تتكرر أتت من غير تدبير , لكن فيها خطورة و مغامرة حتى إني أكاد لا أطلب منك المحاولة
- إذا كنت تحاول أن تلقي الروع في صدري فإني أظنك تسير في الاتجاه الخطأ يا بوارو
و بعد أن هدأ قليلا و خف تحمسه كشف خطته التي تقتضي أن أتقدم بطلب عمل لدى آبي ريلاند بعد أن أعلن أنه يحتاج سكرتيرا إنكليزيا من ذوي النمط الاجتماعي الراقي و ذوي الكفاءة العالية و الحضور المتميز . قال بوارو يعتذر :
- ربما أستطيع أنا أن أدبر نفسي , لكن الأمر يبدو صعبا : أن أتكلف دور المحتاج و أنكر شخصيتي المشهورة , ربما كنت أتكلم الإنكليزية بطلاقة و لكن سيكون علي أن أضحي بشاربي .. و حتى لو تخليت عن شاربي أيضا سأظل معروفا أنني هيركيول بوارو
وافقته أن الأمر عسير عليه و أعلنت استعدادي و رغبتي في اختراق بيت ريلاند و أنني أطمح للنجاح
- سوف أهيئ لك الشهادات التي تجعل ريلاند يلعق شفتيه , سآتيك بورقة من وزير الداخلية نفسه , سأجعله يحط على يدي كعصفور أتى لينقر كسرة الخبز
كانت الخطوة الأولى أن نذهب إلى فنان في المكياج . حدق المزين بي مليا و هو صامت , و كنت أنظر ألي رأسه الصغير و حجمه الضئيل مثل هيركيول بوارو , ثم بدأ صنعته بجد و همة
بعد ساعتين تقريبا قمت إلى المرآة فنظرت فأذهلني مشهد نفسي , حذاء خاص جعلني أطول بإنشين , و معطف طويل أبدو فيه نحيفا طويلا , لقد تغير شكل حاجبي و ملامح وجهي مختلفة تماما , اختفى شاربي و ظهر من جانب فكي الأيمن سن ذهبية , تحول لوني من السمرة إلى البياض , إن المظهر بلا شك ذو قدرة على الخداع , نظر بوارو و قال :
- اسمك هو آرثر نيفلي , يحفظك الله يا عزيزي , أرجو الله أن ينجيك من الخطر
في فندق سافوي , في الموعد الذي حدده آبي ريلاند قدمت نفسي ..
قادوني إلى غرفة علوية حيث كان يجلس رجل طويل خلف طاولة ضخمة , لقد بدا نحيفا طويلا و له ذقن بارزة و أنف معقوف قليلا , عيناه اللامعتان تكادان تختفيان تحت حاجبين غليظين . أما شعره فقد كان رماديا غزيرا , و كان في فمه سيغار طويل لا يكاد يتركه
كان يتكلم بطريقة فظة من طرف من فمه , و كان يمن على محدثه بعدد الكلمات , بل يشعره أنه يتفضل عليه بالحديث :
- اجلس
جلست و كان قلبي يدق عنيفا حتى خشيت أن يسمع دقه , كان أمامه رسالة يبدو أنها بخط وزير الداخلية :
- في هذه الرسالة أنك ثقة , فهل تجيد المجاملة الاجتماعية ؟
- أظن أنني أستطيع إرضاءك في هذا
- لو كان عندي جماعة فيهم الدوق و الأيرل و الفيكونت يجتمعون في بيتي الريفي , هل تستطيع أن تجلسهم كلا في مقعده المناسب ؟
- بكل سهولة يا سيدي
تبادل معي حديثا قصيرا ثم أشعرني بالموافقة , ووجدت نفسي مستخدما عنده , فقد كان ريلاند يريد سكرتيرا مطلعا على خفايا المجتمع الإنكليزي حيث كان عنده سكرتير آخر أمريكي و كاتبة اختزال
ثم بعد يومين توجهت إلى هاتون شيز مركز دوق مقاطعة لوشير الذي استأجره ريلاند ستة أشهر , و هناك لم أجد صعوبة في تأدية واجبي ؛ فقد عملت – ذا ت يوم – سكرتيرا لأحد أعضاء البرلمان
كان ريلاند يستضيف نخبة من كبار الناس في نهاية كل أسبوع , أما سائر أيام الأسبوع فكانت هادئة نسبيا , و كان في البيت ثلة من الموظفين : كبير الخدم و مدبرة المنزل و الطاهي و خدم و خادمات , و حاولت إمعان النظر فيهم جميعا و معرفتهم عن قرب , فكنت أشعر بالريبة بكبير الخدم , أما الشاب الأمريكي السيد أبلباي فقد بدا مرحا يثق بنفسه و يتقن عمله باقتدار
ديفز الخادم الخاص للسيد ريلاند الذي أحضره من نيويورك شخص غامض و نفسي تمتلئ شكوكا فيه , و كان عنده سيدة ثقة
و اجتهدت أن أتقرب من الآنسة مارتن كاتبة الاختزال , تلك الفتاة التي تسحرك . كانت في الثالثة و العشرين تقريبا , لها عينان عسليتان و شعر خروبي مسترسل , كانت فتاة لعوبا رغم محاولاتها أن تحتشم . حاولت كسب ثقتها لا سيما بعد أن تبين لي أنها تكره سيدها و لا تثق فيه
مكثت في هاتون شيز ثلاثة أسابيع , و كانت حياة هادئة لا حوادث فيها , حيث لم أستطع أن أعرف شيئا يستحق الذكر , و بدا ريلاند في نظري شخصية ذات مكانة اجتماعية متميزة لها القدرة على التأثير , و لا يبدو أنه على صلة بمنظمة الأربعة الكبار , و كانت تترسخ في نفسي قناعة أن بوارو قد أخطأ في ظنه الجائر الذي يربطه بهذه المنظمة المشبوهة الى أن سمعته مرة يذكر بوارو حين يأكل عشاءه في إحدى الأمسيات :
- يقولون انه رائع ذاك الرجل الصغير , لكني وجدته انهزاميا ! اتفقت معه على صفقة و لكنه رفضها في الدقيقة الأخيرة , إني لا أود معاملة صاحبك هيركيول بوارو مرة أخرى !
في تلك اللحظة شعرت بزيف ( المكياج ) الذي يكسو وجنتي ...
ثم حصلت على قصة مثيرة عندما سافر ريلاند و معه أبلباي , فقد كنت أسير في الحديقة مع الآنسة مارتن بعد شرب الشاي , كانت الفتاة تبدو طبيعية جدا و غير منفعلة , لكني كنت ألمح أسرارا و أحاديث تجول في رأسها , و أخيرا قالت :
- هل تعلم يا ميجر نيفلي أنني أفكر في الاستقالة من عملي في هذا المكان ؟
ظهرت علي علائم الدهشة فيما تابعت هي قائلة :
- آه ! أدرك أن كثيرا من الناس سينعتونني بالحماقة ؛ انهم يحسدونني على هذه الوظيفة , لكني ما عدت قادرة على التحمل المزيد من الشتائم , لا أحد يصدق أن مثل هذه الأفعال تصدر عن مثل هذا الشخص العظيم !
- و هل يسيء لك ريلاند ؟
هزت رأسها ثم قالت :
- انه سريع الغضب و ذو مزاج متقلب , و هذا شيء لا يحتمل , وهو إذا صار ثورا هائجا كاد يبطش بمن يلقاه لأتفه الأسباب , لا أحد يستطيع احتماله , إنها مشكلة تستعصي على الحل
قلت و أنا أرجو سماع المزيد :
- هل لك أن توضحي الأمور ؟
- كما تعلم فإنني أفتح رسائل السيد ريلاند فأسلم بعضها إلى أبلباي و الأخرى أقوم بالإجراءات التي تخصها بنفسي . و إذا فرزت الرسائل الأولى علي أن أتعامل بحذر مع نوع من هذه الرسائل , و هي التي تجيء مكتوبة على ورق أزرق و قد ظهر على أحد أطرافها الرمز – رقم ((4)) – بخط صغير
و عندها لم أستطع كبح صرخة ذهول انطلقت من أعماقي , لكني حاولت خنقها في مهدها مما جعلها تنظر إلي قائلة :
- عذرا , هل تريد أن تقول شيئا ؟
- لا , لا شيء بتاتا , أكملي ..
- حسنا , الرسائل التي تحمل هذا الرمز هناك أمر صارم بعدم فتحها , و يجب تسليمها إلى السيد ريلاند نفسه ..
و لقد حدث في صباح أمس أن فتحت إحدى هذه الرسائل خطأ فذهبت من فوري إلى السيد ريلاند و شرحت له الموقف و اعتذرت له كثيرا لكنه انقلب فجأة إلى صورة شيطانية مرعبة و كاد يفتك بي , كنت خائفة منه جدا !
- و هل كان الأمر يستحق هذه الثورة ؟ ماذا كان في الرسالة ؟
- لا شيء , و هذا مما يدعو إلى التساؤل و يثير الدهشة , لقد قرأتها قبل أن أكتشف خطئي و أذكرها كلمة كلمة , لم يكن فيها ما يدعو إلى القلق ..
شجعتها قائلا :
- هل تستطيعين تكرارها ؟
- نعم : (( سيدي العزيز , إن الأمر الضروري الآن هو رؤية الأملاك . إذا كنت تصر على تضمين المحجر فان سبعة عشر ألفا تبدو معقولة , إن 11% عمولة تبدو كثيرة , 4% قدر وافر ..
المخلص آرثر لافير شام ))
أصغيت إلى حديثها بكل عناية مع تظاهري بعدم الاهتمام , فيما تابعت قائلة :
- من الواضح أن السيد ريلاند كان يفكر في شراء بعض الأملاك , لكني في الحقيقة أشعر أن في الأمر ما يدعو لإثارة الفضول , انه يبدو رجلا خطيرا , فماذا تنصحني يا سيد نيفلي ؟ إن خبرتك في الحياة أكبر
حاولت تهدئة الفتاة قليلا مشيرا إلى أنه ربما كان يعاني من حالة صحية مؤثرة , و لقد بدا عليها الارتياح , لكني لم أشعر بالاطمئنان إلي السهولة التي تم بها الأمر
غادرت الفتاة المكان و جلست وحدي أفكر بهذه الرسالة الهامة التي دونت كلماتها على عجل . بدت الرسالة صادقة و ليس فيها ما يدعو للإثارة , فهل كانت تخفي صفقة تجارية ينوي ريلاند إنجازها . و هل هو حريص ألا تكشف أي أسرار منها قبل إنجازها ؟ ربما , فهذا جائز , لكن العلامة التي كانت تظهر على المغلفات هي موطن الإثارة .. رقم ((4)) بخط صغير !
مكثت طيلة اليوم و معظم نهار اليوم التالي و أنا أفكر في هذه الرسالة , و فجأة شعرت أني اهتديت إلى الحل , رقم ((4)) كان هو الدليل , فحين نقرأ كل رابع كلمة في الرسالة تظهر رسالة أخرى مختلفة :
((ضروري رؤيتك , المحجر , 17 , 11 , 4 ))
الأرقام كانت تعني بسهولة : 17 – أكتوبر و الذي يصادف غدا , 11 : الساعة , 4 : هو الإمضاء المعروف أما المحجر فهو إشارة إلى المحجر المهجور الذي يبعد نصف ميل عن بيت ريلاند و هو منطقة معزولة تصلح للقاءات السرية
شعرت بالانتصار عندما تمكنت من فهم اللغز , و شعرت بفرحة غامرة و سعادة في داخلي لأني ربما تفوقت في هذه المرة على بوارو , مما جعلني أفكر في مغامرة كشف هذا اللقاء وحدي , لكني في النهاية بعد تفكير و تردد قهرت هذا الإغراء و علمت أن هذا عمل كبير خطير ربما يعرض فرصة نجاحنا إلى الخطر , و لا بد من إعلام بوارو فهو يملك عقلا أفضل مني بالتأكيد
كتبت له رسالة تبين الحقائق , و أوضحت له ضرورة رصد ذلك اللقاء , و كشفت له رغبتي في إدارة اللعبة وحدي إذا رأى ذلك من الحكمة , ثم أخذت الرسالة بنفسي إلى محطة البريد و قد فصلت له كيفية القدوم إلى المكان إذا لم أستطع مقابلته في المحطة
كنت شديد الانفعال في مساء اليوم التالي و كان المنزل خاليا من الضيوف و لكني كنت مشغولا طيلة المساء مع السيد ريلاند , و قد فقدت الأمل أن أستطيع لقاء بوارو في المحطة , لكني كنت واثقا أنني سوف أغادر قبل الحادية عشر
كان عقرب الساعة يقترب من العاشرة و النصف عندما نظر ريلاند إلى ساعته , و أشار بأن العمل قد انتهى ذاك اليوم , ففهمت الإشارة و انسحبت بهدوء نحو الطابق العلوي كأنني أريد الاستعداد للنوم لكنني تسللت من الأسفل بهدوء عبر درج جانبي , ثم تسللت إلى الحديقة و قد أخذت حذري و لبست معطفا أسود طويلا
نظرت خلفي فجأة فوقعت عيناي على السيد ريلاند يخرج من نافذة مكتبه إلى الحديقة مسرعا لكي يفي بوعده , انطلقت مسرعا أكثر لكي أسبقه إلى المحجر , و هناك كان المكان خاليا , فتوجهت نحو شجيرات منعزلات في إحدى زوايا المحجر و قد تشابكت مع بعضها لأرقب الأحداث
و بعد عشر دقائق ظهر ريلاند يمشي بتشامخ , يلبس قبعته التي تدلت على عينيه و قد تدلى من فمه سيجاره الذي لا يفارقه , نظر حول المكان ثم نزل في حفر المحجر . سمعت همس رجال كان يصل إلى أذني مما يشير إلى أن الرجال الآخرين كانوا قد وصلوا إلى المكان أولا
خرجت من بين الشجيرات بهدوء شديد دون أي ضجيج , و تسللت منحدرا نحوهم ببطء و حذر شديدين , و اختفيت خلف صخرة كبيرة كانت تفصلني عنهم
كان الظلام يلف المكان , و كنت أسمع حديثهم بوضوح , و شعرت أني آمن في موقع استراتيجي غير مرصود , لكن المفاجأة المحتومة وقعت عندما نظرت إلى حافة الصخرة فوجدت نفسي فجأة أمام فوهة بندقية مصوبة نحوي , و إذا الرجل يكمن قرب الصخرة و قد وقعت في الشرك تماما .. ياللفزع !
صرخ في بلهجة مرعبة , و شعرت بفوهة البندقية الباردة على قفا عنقي !
قال ريلاند متشدقا : مرحبا , لقد كنت أنتظرك . ثم صاح بالرجل :
حسنا يا جورج , أحضره هنا
قادني الرجل و أنا أمتلئ غيظا و حنقا من هذا الفشل الكبير بعد أن تم تكميدي و تكبيلي بإحكام . و خاطبني ريلاند بلهجة حازمة كلها تهديد ووعيد :
- هذه هي نهايتكما , لقد حاولتما التدخل في شأن الأربعة الكبار أكثر من مرة , ولن يكون الأمر سهلا , هل سمعت بالانهيار الصخري ؟
لقد حدث مثل هذا الانهيار في هذا المكان قبل سنتين , و سيحدث آخر بعد قليل هنا أيضا , وسوف يتم ذلك بكل دقة و إحكام , لكن صديقك لا يحترم مواعيده بدقة كما يبدو , أليس كذلك ؟
اجتاحتني موجة رعب و شعرت بالرعدة تسري في جسدي حين ذكرت بوارو و أنه بعد لحظات سوف تقوده قدماه إلى الفخ و لا أملك أية وسيلة لتحذيره من هذا المصير المشؤوم , أستطيع فقط أن أدعو الله راجيا ألا يأتي هنا , و مع مرور الوقت كنت أشعر بالاطمئنان ..
فجأة اندفعا بسرعة بعد سماع وقع أقدام تقترب .. كان القادم هو بوارو , و صرخ ريلاند :
- ارفع يديك !
قفز ديفز مرافق ريلاند ف فاجأ بوارو من الخلف , لقد اكتمل الكمين . قال ريلاند :
- أنا مسرور بلقائك يا سيد بوارو
بدا بوارو ضابطا أعصابه بصورة عجيبة , لم يضعف و لم يهتز , لكني رأيت عيناه تبحثان يمنة و يسرة في الظلمة , سأل :
- صديقي هل هو لديكم ؟
- نعم , كلاكما في الفخ , فخ الأربعة الكبار !
ابتسم بوارو بسخرية ثم سأله :
- فخ ؟ أي فخ هذا ؟
- ألم تدرك ذلك حتى هذه اللحظة ؟
- أدرك أن هناك فخا لكنك مخطئ في ظنك يا سيد , أنت الذي وقع في الفخ لا أنا و صديقي !
- ماذا تقول ؟
رأيت الاضطراب على وجه ريلاند فيما راحت عيناه تبحثان في المكان و التطير بدأ يظهر في حركته و نبرة صوته ..
- إذا أطلقت النار فانك ترتكب جريمة قتل أما عشر عيون ترقب الحدث , سوف تشنق بسببها , المكان محاصر تماما , رجال سكوتلانديارد يحيطون بالمكان منذ ساعة سقط الملك في هذه الجولة يا سيد آبي ريلاند
ثم أصدر صفيرا مثيرا , و في برهة أصبح المكان يضج بحركة الرجال المسلحين حقا , كأن ذلك تم بطريقة سحرية , أمسكوا بريلاند و خادمه الخاص و جردوهما من السلاح , ثم تحدث بوارو بضع كلمات مع الضابط المسؤول , و بعد لحظات أصبح المكان خاليا من الرجال و الحركة , أقبل بوارو يعانقني كأني في حلم ليلي مرعب !
- انك لم تصب بأذى , هذا رائع , لقد لمت نفسي كثيرا لأني تركتك تذهب وحدك !
- إني في صحة تامة , لكنني مضطرب قليلا , لقد سقطت في شركهم الصغير , أليس كذلك ؟
- لكنني كنت أنتظره , و من أجل هذا كان عملك مع هذا الشخص . اسمك مزيف , و شخصيتك التضليلية لم يقصد منها الخداع أبدا يا عزيزي
- ماذا تقول ؟ هل أنت جاد في حديثك ؟ لماذا لم تخبرني بشيء عن هذا كله ؟
كانت الأسئلة تتبعثر من بين شفتي من الدهشة دون ضبط , و شعرت بعجزي عن فهم هذه اللعبة ..
- كما قلت لك يا هيستنغز , انك تتمتع ببراءة الأطفال يا صديقي , و إن لم تكن مخدوعا فيصعب عليك أن تخدع هؤلاء , لقد اكتشفت من أول لحظة و لقد توقعت كل ما حدث , إنها مسألة رياضية واضحة النتيجة لكل من يعمل خلاياه الرمادية بشكل صحيح , حاولوا أن يجعلوك طعما , وكانت الفتاة هي الوسيلة , فهل كان شعرها أحمر ؟
- إن كنت تقصد الآنسة مارتن , فان شعرها يحوي ظلا ناعما من اللون الخروبي , ولكن ..
- لقد درسوا شخصيتك بإمعان , انهم جماعة مدهشون !
نعم يا صديقي , كانت الفتاة متورطة تماما في المؤامرة , لقد كررت عليك الرسالة و هي تروي قصتها مع ريلاند , إنها طريقة ذكية بلا شك , و أنت استطعت تحليل الشفرة التي لم تكن صعبة على كل حال , لكن الشيء الذي لم يحسبوا حسابه أني كنت أنتظر هذا الفعل الذي سيقدمون عليه ثم تدبرت الأمور مع جاب و هكذا انتصرنا كما ترى
لم أشعر بالسرور تجاه ما حدث و لم أكن راضيا عن أسلوب بوارو هذا , و لقد علم شعوري
و في صباح اليوم التالي توجهنا إلى لندن في قطار الحليب الذي ينطلق مبكرا في رحلة غير مريحة على الإطلاق
خرجت من الحمام للتو غارقا في أحلامي بفطور لذيذ و إذا بصوت جاب ينبعث من غرفة الجلوس :
- لأول مرة أشعر أنك تندفع سريعا يا بوارو , ما هذا السراب الجميل الذي أوقعتنا فيه , حادثة سيئة بلا شك
كان بوارو في قمة دهشته ينظر إلى جاب بوجوم ثقيل و هو يتابع حديثه :
- لقد أخذنا اليد السوداء على محمل الجد , و إذا بذلك الشخص هو الخادم
صرخت فزعا :
- الخادم ؟
- نعم , انه جيمس أو أيا كان اسمه , انه يستطيع أن يمسك الرجل العجوز بأسنانه , وهو يستطيع أن يزوده بأشياء كثيرة عن الأربعة الكبار ..
صرخت بتشنج :
- مستحيل !
- لماذا لا تصدق ؟ لقد اقتدنا الرجل المحترم إلى هاتون شيز , و هناك وجدنا ريلاند الحقيقي نائما على سريره و معه كبير الخدم و الطاهي و الخادم الخاص , و الله يعلم كم ربح كل واحد منهم من هذا الرهان
بوارو – همسا - : ربما يكون إذن هو السبب في بقائه في الظل
نهض جاب و انصرف , كان الجو مليئا بالغموض و الذهول , نظر كل منا إلى الآخر بصمت و قال بوارو :
- إننا نعرف يا هيستنغز أن آبي ريلاند هو رقم ((2)) , و التنكر في دور الخادم كان هو الضمان الوحيد لخط الرجعة في حالة الطوارئ , أما الخادم ..
قلت و أنا ألتقط أنفاسي :
- نعم ؟
رد بوارو بهدوء :
- انه رقم ((4((
الفصل التاسع
أعقبت حادثة المحجر تلك فترة هادئة، لكني كنت أشعر أننا لم نحقق القدر الواجب من النجاح والتقدم في ملاحقة الأربعة الكبار، فمنذ اتصالنا بهم ارتكبوا جريمتين و خطفوا هاليدي، وكانوا على شفا قتلي أنا و بوارو، ولم نستطع أن نسجل إلا نقطة واحدة في هذه اللعبة الخطرة. .
وحين صارحت بوارو بما في نفسي قال:
- هم يضحكون حتى هذا الوقت يا هيستنغز، هذا صحيح، لكنّ المثل الإنجليزي: ((المهم من يضحك أخيراً؟)) يصدق فيهم، أليس كذلك؟ يجب أن تعلم أننا لا نواجه مجرماً سهلاً، بل نواجه أعظم أدمغة في الشرق والغرب!
لم أكن أرغب سماع هذه الإجابة، كنت فقط أحاول استدراج بوارو من أجل الإفصاح عن بعض خطواته الـلاحقة في تعقب الخصوم، لكنني فشلت؛ لأنه قابلني بعادته المعروفة: التكتم الشديد في كل ما يريد مستقبلاً، وتركني في جهل مطبق كما يحصل دائماً!
لقد ثارت لديَّ شكوك حول اتصالات محتملة يجـريها مع الاستخبارات السرية في الهند و الصين و روسيا، وعرفت من صورة اندفاعه في تجميد نفسه دائماً أنه كان يتقدم في لعبته المفضّلة: اكتشاف عقلية عدوّه!
تخلى بوارو عن عمله الخاص كله، ورفض عروضاً ضخمة كما أعلم صراحة، بل كان كثيراً ما يتخلى عن قضايا يشرع في التحقيق فيها بعدما يتبين له أنْ لا صلة لها بنشاط الأربعة الكبار.
الرابح الكبير من هذا الموقف هو المفتش جاب الذي اكتسب شهرة كبيرة لا نستطيع إنكارها من قدرته على حل كثير من المعضلات التي يعود الفضل في نجاحه فيها إلى تلميح بوارو الذكي.
في المقابل كان جاب يمد بوارو بكثير من الأخبار اللازمة في قضاياه، وعندما عُيّن مسؤولاً في القضيّة التي سمّتها الصحف ((لغز الياسمين الأصفر)) طلب من بوارو أن يحضر لينظر فيها إن كان يهمه ذلك.
على أثر هذه الرسالة وجدنا أنفسنا وحدنا في مقصورة قطار ينعطف بعيداً عن دخان لندن وغبارها متجهاً إلى بلدة ماركت هانْد فورد الصغيرة في مقاطعة وِرْشِسْتَرْ شَيَرْ حيث مكان اللغز.
سألني بوارو و هو يتكّئ على جدار المقصورة:
- ما قولك في المسألة يا هيستنغز؟
لم أسرع في الجواب، بل حاولت أن أكون حذراً وعمدت إلى كلمة أساسها العموم:
- كل شيء يبدو معقّداً!
فقال بمرح: نعم، أليس كذلك؟
- اندفاعنا بهذه السرعة يشير إلى اعتقادك أن وفاة السيد باينتر كانت نتيجة لجريمة قتل لا انتحاراً ولا حدثاً عابراً. .
- لا، لا يا هيستنغز، أنت تسيء فهمي، هبْ أن هذا صحيح فلابد من كشف كثير من المُلبسات والظروف الغامضة.
- هذا ما عنيته عندما قلت بأن كل شيء يبدو معقداً.
- إذاً دعنا نستعرض حقائق القصة بهدوء ومنهجية، أعد سردها عليّ يا هيستنغز بوضوح وترتيب.
بدأتُ أسرد أحداث القصة بنظام و منهجية قدر استطاعتي:
- نبدأ بالسيد باينتر: رجل في الخامسة و الخمسين، غني مثقف كثير الأسفار، لكنه ضاق في سنينه الأخيرة بالسفر فعمد إلى الاستقرار بعد أن اشترى بيتاً صغيراً في وِرْشستر شَيَرْ قرب ماركت هاند فورد وأراد العكوف على الكتابة، لكنه أرسل إلى ابن أخيه الأصغر يشير عليه أن يأتي ليسكن معه في كروفت لاندز.
فرح ابن أخيه بهذا الرأي، وكان فناناً مفلساً، وعاش مع عمه حوالي سبعة أشهر إلى أن حدثت المأساة.
بوارو- بهمس-: أسلوبك روائي جذاب كأنك تقرأ من كتاب!
حاولت أن أكمل القصة بحماس و جِدْ متجاهلاً كلمة بوارو:
- لدى باينتر طقم من ستة خدم في كروفت لاندز زيادة على خادمه الصيني الخاص آه لِنْغ.
همس بوارو مستغرقاً: الخادم الخاص الصيني آه لِنْغ . . .
- يوم الثلاثاء من الأسبوع الأخير اشتكى السيد باينتر ألماً معوياً بعد العشاء فأرسل أحد خدمه ليحضر الطبيب، وعندما حضر الطبيب استقبله السيد باينتـر في مكتبه رافضاً أن يذهب إلى السرير، ولم يعرف أحد ما جرى بينهما من حديث، لكن الطبيب كوينتين طلب أن يرى مدبرة المنزل، وذكر أنه أعطى السيد باينتر إبرة تحت الجلد لأن قلبه في ضعف شديد، وأوصى بألا يزعجه أحد، ثم بدأ بأسئلة كثيرة عن الخدم: متى عملوا هنا؟ ومن أين جاؤوا؟ . . . إلخ.
أجابت مدبرة المنزل أسئلته قدر استطاعتها، وكانت تعتريها الحيرة والدهشة من مغزى هذه الأسئلة.
وفي اليوم التالي حدث شيء مرعب، فبينما كانت إحدى الخادمات تتجول في أطراف المنزل إذ شمت رائحة لحم محترق مقززة، وحين بحثت عن مصدر الرائحة عرفت أنها من مكتب سيدها، حاولت فتح الباب لكنها وجدته مقفلاً من الداخل، وبمساعدة جيرالد و الرجل الصيني تمّ اقتحام المكتب، ليجد القوم أنفسهم أمام منظر رهيب: لقد سقط السيد باينتر في موقد الغاز و قد احترق رأسه و وجهه حتى ليكاد يستحيل التعرف إليه!
في تلك اللحظة لم يَقَعْ أيّ اشتباه، وإن لم يكن بدٌّ من لومٍ فأولى الناس باللوم هو الدكتور كوينتين الذي حقن مريضه مخدراً وتركه في هذه الحال الخطيرة.
ثم بعد ذلك تم كشف شيء يثير الفضول: كان على الأرض عند الكرسي الذي كان يجلس عليه الرجل العجوز صحيفة ملقاة يبدو أنها قد انزلقت عن ركبتيه وقد كتب عليها بخط يد كبير ضعيف بضع كلمات ووجد إصبع السبابة في اليد اليمنى للضحية ملطخاً بالحبر، ولا بد أن الضحية كان في حال ضعف شديدة فلم يَقْوَ على الإمساك بالقلم فعمد إلى سبـابته يضعها في الحبر وكتب هاتين الكلمتين على سطح الصحيفـة التي كانت بين يديه، والكلمتان واضحتان تماماً: ((ياسمين أصفر))!
لوحظ أن جدار المنزل كان ينمو عليه الياسمين الأصفر، وهذا دعانا أن نقول بأن رسالة الاحتضار ذات علاقة بهذا النبات، مما يوضح أن عقل العجوز كان يخرف، لكن الصحف جعلت من الحادث قصة مثيرة وأسمتها ((لغز الياسمين الأصفر)) وإنْ لم تَبْدُ حقيقة في هذه الأهمية.
قال بوارو: تقول بأنها غير هامة؟ حسناً، إذا كنت تظن أنها غير هامة فهي كذلك.
نظرت إليه بارتياب شديد، فقـد عودني على التهكم المـرير ولكني لم أقرأ السخرية في عينيه، وأكملت الأحداث:
- وبعدها بدأت فصول تحقيق القضية والبحث فيها. .
- أدرك أنك هنا بدأت تلعق شفتيك. .
- كان هناك شعور كبير بأن المتهم هو الدكتور كوينتين أولاً؛ فهو لم يكن الطبيب المعتمد، بل كان طبيباً طارئاً بدل الدكتور بوليثو الذي كان يقضي إجازة بعيداً.
وهناك إحساس أن الإهمال هو سبب المأساة الأول، لكن أقوال الدكتور كانت مختصرة ومثيرة، فقد كان السيد باينتر يشعر بوعكة صحية خفيفة منذ وصوله إلى كروفت لاند، وأشرف على علاجه الدكتور بوليثو، وعندما رآه الدكتور كوينتين أول مرة كان متحيّراً تجاه بعض الأعراض، و لدى انفراده بالسيّد باينتر أطلعه على أمر غريب، فهو لم يكن يشعر بأي مرض على الإطلاق، إلاّ أن طعم الكاري الذي أكله على العشاء كان في غاية الغرابة، لدرجة أنه اضطر- وقد استبدّ به الشك- أن يختلق بعض الأعذار ليصرف آه لنغ بضع دقائق تمكّن خلالها من سكب محتويات صحنه في السلطانية.
وعلى الرغم من قوله أنه لم يشعر بالمرض، لاحظ الطبيب أن السيد باينتر كان يعاني من أثر الصدمة فقرّر إعطاءه إبرة سترايكـنين.
وتوقفت عن سرد أحداث القصة قليلاً قبل أن أختتم معلّقاً:
- أعتقد أن في ذلك تمام القضيّة، ولا يبقى غير الإشارة إلى النقطة الأساسية في الموضوع، وهي أن الكاري الذي لم يؤكل قد أُخضِع للتحليل فعثر فيه على كمية من الأفيون تكفي لقتل رجلين! وسكتّ، فسأل بوارو بهدوء:
- وما رأيك يا هيستنغز؟
- من الصعب القول بأنه حادث وكذلك محاولة سُمّه في الليلة السابقة ربما تكون مصادفة.
- لكنك لا تظن ذلك. . . إنك تعتقد أنها جريمة قتل.
- ألا تعتقد أنت ذلك أيضاً؟
- نحن، يا صديقي هيستنغز، نفكر بطريقة مختلفة، أنا لا أحاول أن أقرر أحد حلّين مختلفين: إما القتل أو القدر، سيأتي ذلك بعد أن نحلّ لغز الياسمين الأصفر، انظر هناك، شيء ما عند الكلمتين!
- تقصد الخطين اللذين عن اليمين؟ لا أظنهما مهمين. .
- ربما هذا لك وحدك، دعنا ننتقل من لغز الياسمين الأصفر إلى لغز التوابل الهندية.
- السؤال: من الذي سممه؟ ولماذا؟ عندي مئة سؤال تحتاج جواباً، الذي أعد الطعام هو آه لنغ لكن لماذا يرغب في قتل سيده؟ هل هو عضو في جمعية سرية صينية ربما يكون اسمها جمعية الياسمين الأصفر؟ ثم هناك جيرالد باينتر!
هز بوارو رأسه و قال:
- نعم، جيرالد باينتر وريث عمه، ثم إنه أكل عشاءه خارجاً ذلك اليوم.
- ربما كان مطّلعاً على الأمر فحرص أن يأكل عشاءه في الخارج لكي لا يأكل الوجبة.
شعرت أن تفسيري أشغل بوارو فنظر إليّ نظرة احترام أكثر من قبل و حاولت الاسمرار في نظريتي:
- عاد متأخراً ورأى النور في مكتب عمه فعلم أن خطته فشلت فدفع الرجل العجوز في موقد الغاز.
- السيد باينتر كان في صحة جيدة وما كان يمكن أن يسمح بأن يُحرق حتى الموت دون أن يبدي مقاومة، هذا الرأي غير راشد.
- أظن أننا اقتربنا من الحل، دعنا نرى رأيك في المسألة.
انتفخ بوارو مغروراً وألقى نحوي ابتسامة ثم قال:
- هب أنها جريمة قتل، فإن السؤال هو: لماذا اختار القاتل هذه الطريقة ليقتله؟ ربما يكون الجواب: من أجل إخفاء الهوية، لقد احترق الوجه حتى لا يمكنك معرفته. هل تكون جثّة رجل آخر؟ لكن الجواب الراجح هو النفي.
ثم هناك أشياء أخرى تحتاج تحقيقاً وبحثاً، لكن يجب ألا أسمح لهاجس الكبار الأربعة أن يسيطر على عقلي، ومن الخطر أن يجعل الإنسان نفسه أسيراً لفكرة واحدة، ولقد تمعنت بالخطين المرسومين فوجدتهما بداية الرقم ((4)).
علا صوتي بضحكة سخرية قائلاً:
- لله درك يا بوارو!
- أليس ذلك سخيفاً؟ إنني أرى الأربعة الكبار في كل مكان. .
ها هو جاب قادم إلينا. .
تعليقات
إرسال تعليق